سيد محمد طنطاوي

244

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وكان لهذه الاستماتة آثارها في تراجع المشركين ، وقد ظنوا أنهم قد أخذوا بثأرهم من المسلمين . . . وخشي النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يكون تراجع المشركين من أجل مهاجمة المدينة ، فقال لعلي بن أبي طالب : « اخرج في آثار القوم فانظر ما ذا يصنعون ؟ فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ، فإنهم يريدون مكة . وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل ، فهم يريدون المدينة . فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ، ثم لأناجزنهم فيها » . قال على : فخرجت في آثارهم فرأيتهم جنبوا الخيل ، وامتطوا الإبل ، واتجهوا إلى مكة . وعند ما انصرف أبو سفيان نادى : إن موعدكم بدر العام المقبل ، فقال الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لرجل من أصحابه : قل له : نعم بيننا وبينك موعد . وانتهت غزوة أحد باستشهاد حوالي سبعين صحابيا من بينهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب ابن عمير ، وسعد بن الربيع . وغيرهم من الأبطال الذين صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه . وهذه خلاصة لأحداث غزوة أحد كما روتها كتب السيرة . والآن فلنول وجوهنا شطر القرآن الكريم ، لنتدبر حديثه الحكيم عن هذه الغزوة ، ولنستمع إليه بقلوب واعية ، وآذان متفتحة ، وهو يبدأ حديثه عنها فيقول : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 121 إلى 129 ] وإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 ) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا واللَّه وَلِيُّهُما وعَلَى اللَّه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 122 ) ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّه بِبَدْرٍ وأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 123 ) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ( 124 ) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ( 125 ) وما جَعَلَه اللَّه إِلَّا بُشْرى لَكُمْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِه ومَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّه الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 126 ) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ( 127 ) لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ( 128 ) ولِلَّه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ واللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 129 )